أبي منصور الماتريدي

297

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ فالاستغفار : هو طلب المغفرة ، وذلك يكون باللسان مرة ، وبالأفعال ثانيا . فطلب المغفرة من جهة الفعل : أن ينتهي عن الفعل الذي يستحق عليه العقاب ويجيب إلى ما [ دعا الله إليه ] « 1 » ؛ قال الله - تعالى - : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] فجعل انتهاءهم عن الكفر ودخولهم في الإسلام سبب مغفرتهم ، وقال الله تعالى : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [ نوح : 10 ] ، وليس استغفارهم [ أن يقولوا باللسان : « اللهم اغفر لنا » ، ولكن معناه : أن انتهوا عما أنتم فيه من الكفر ، وأجيبوا ربكم فيما دعاكم إليه ، فهذا هو الاستغفار ] « 2 » من جهة الأفعال . وأما الاستغفار باللسان وهو طلب المغفرة ، يكون على وجهين : أحدهما : أن تسأل ربك التجاوز عن سيئاتك . والثاني : أن يسأل حتى يوفقه للسبب الذي إذا جاء به استوجب المغفرة « 3 » ، وعلى هذا التأويل يخرج استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه ، وهو أنه طلب من ربه أن يوفقه لما فيه نجاته ، وهو الإسلام ، لا أن يسأل ربه أن يغفر له مع دوامه على الكفر ؛ ألا ترى أنه امتنع عن الاستغفار له حيث تقررت عنده عداوته لله تعالى ، وعلم أنه لم يوفق للسبب الذي يستوجب به المغفرة ؛ قال الله تعالى : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [ التوبة : 114 ] ؛ فثبت أنه لم يطلب منه المغفرة مع دوامه على الكفر ، ولكن للوجه الذي ذكرنا ، والله أعلم . * * *

--> ( 1 ) في ب : دعى إليه . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : إذا جاز به المغفرة تستوجب .